لسان الدين ابن الخطيب
288
الإحاطة في أخبار غرناطة
وسابق أقرانه ، ذو المحاسن الجمة ، الجليلة الباهرة ، والأدوات الرفيعة الزكية ، الطاهرة الكاملة ، المجمع على تناهي نباهته ، وحمد خصاله وفصاحته ، من لا يشقّ غباره ، ولا تلحق آثاره ، معجزة زمانه في صناعة النثر والنظم ، أبو عبد اللّه بن أبي الخصال ، رحمه اللّه تعالى ورضي عنه ونضّر وجهه . ألفي مقتولا قرب باب داره بالمدينة ، وقد سلب ما كان عليه ، بعد نهب داره ، واستئصال حاله ، وذهاب ماله ، وذلك يوم السبت الثاني عشر من شهر ذي الحجة من سنة أربعين وخمسمائة . فاحتمل إلى الرّبض الشرقي بحومة الدرب ، فغسّل هنالك وكفّن ، ودفن بمقبرة ابن عباس عصر يوم الأحد بعده ، ونعي إلى الناس وهم مشغولون بما كانوا بسبيله من الفتنة . فكثر التفجّع لفقده ، والتأسّف على مصاب مثله ، وأجمعوا على أنه كان آخر رجال الأندلس علما وحلما ، وفهما ومعرفة ، وذكاء وحكمة ويقظة ، وجلالة ونباهة ، وتفننا في العلوم . وكان له ، رحمه اللّه ، اهتمام بها ، وتقدم في معرفتها وإتقانها . وكان ، رحمه اللّه ، صاحب لغة وتاريخ وحديث ، وخبر وسير ، ومعرفة برجال الحديث مضطلعا بها ، ومعرفة بوقائع العرب وأيام الناس ، وبالنثر والنظم . وكان جزل القول ، عذب اللفظ ، حلو الكلام ، عذب الفكاهة ، فصيح اللسان ، بارع الخطّ حسنه ومتقنه . كان في ذلك كله واحد عصره ، ونسيج وحده ، يسلّم إليه في ذلك كله ، مع جمال منظره ، وحسن خلقه ، وكرم فعاله ، ومشاركته لإخوانه . وكان مع ذلك كله جميل التواضع ، حسن المعاشرة لأهل العلم ، مسارعا لمهماتهم ، نهاضا بتكاليفهم ، حافظا لعهدهم ، مكرما لنبهائهم ، واسع الصدر ، حسن المجالسة والمحادثة ، كثير المذاكرة ، جمّ الإفادة . له تصانيف جليلة نبيهة ، ظهر فيها علمه وفهمه ، أخذها الناس عنه مع سائر ما كان يحمله ويتقنه ، عن أشياخه الذين أخذ عنهم ، وسمع منهم ، وقرأ عليهم . وقال غيره : قتل بدرب الفرعوني بقرب رحبة أبان ، بداخل مدينة قرطبة ، قرب باب عبد الجبّار يوم دخلها النصارى مع أميرهم ملك طليطلة ، يوم قيام ابن حمدين ، واقتتاله مع يحيى بن علي بن غانية المسّوفي الملثّم المرابطي يوم الأحد لثلاث عشرة مضت من ذي الحجة عام أربعين وخمسمائة . قتله بربر المصامدة رجّالة أهل دولة اللثام لحسن ملبسه ، ولم يعرفوه ، وقتلوا معه ابن أخته عبد اللّه بن عبد العزيز بن مسعود ، وكان أنكحه ابنته ، فقتلا معا . وكان محمد خيرة الشيوخ ، وعبد اللّه خيرة الأحداث ، رحمهما اللّه تعالى . محمد بن مفضل بن مهيب اللخمي يكنى أبا بكر ، من أهل شلب من العليا .